نادي الإتحاد الحلبي السوري


زغاريد الأعراس

إن ما سنتناوله اليوم من موضوع هو إرث مشترك بيننا، ولنا جميعاً نصيب فيه، و في ذاكرة كل منا بعض منه، قد يتفق مع ما في جعبتي و قد يتجاوزها

إنشاء موضوع جديد  رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع

نادي الإتحاد الحلبي السوري

كُتب : [ 16-04-2011 - 07:44 ]
رقم المشاركة : ( 1 )
الصورة الرمزية حلب الشهباء
 
حلب الشهباء
إدارة المنتدى

حلب الشهباء غير متواجد حالياً

       
رقم العضوية : 5
تاريخ التسجيل : Sep 2007
مكان الإقامة : حلب
عدد المشاركات : 43,772
قوة التقييم : حلب الشهباء قام بتعطيل التقييم
افتراضي زغاريد الأعراس

إن ما سنتناوله اليوم من موضوع هو إرث مشترك بيننا، ولنا جميعاً نصيب فيه، و في ذاكرة كل منا بعض منه، قد يتفق مع ما في جعبتي و قد يتجاوزها زيادة أو يقصّر عنها نقصاناً، لأن مادة هذا الموضوع هي من نسج أجدادنا، و قد بقيت حقبة طويلة من الزمن عصيّة على الترويض بالقلم و على الانحباس بين دفتي كتاب، فهي المحلّقة في سماء المناسبات، والراقصة على شفاه السيدات، والمتنقلة من بلدة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى في حقائب المسافرين و المهاجرين، حتى باتت جميع مناطق بلاد الشام تطلق الكثير من الزغاريد المشتركة التي فقدت انتماءها المناطقي الجزئي و انتمت إلى عالم بلاد الشام الرحب .

إذن موضوعنا هو زغاريد العرس الشعبي في بلاد الشام عموماً و في حلب الشهباء خصوصاً، و بما أن وطن الزغرودة الأهم هو العرس فسيدور مبحثنا الأول حول :

أهمية الزواج في تركيبة مجتمعنا الشرقي

تولد الفتاة في شرقنا عروساً مثلما يولد الفتى عريساً، لكن للذكر دوماً بهجته الخاصة، فهو يحمل النصر لوالديه على الحياة والموت معاً، لأنه سيكون عوناً ودعماً لهما في الدنيا و يكفل استمرارية ذكرهما بعد موتهما من خلال ذريّته التي سترث اسم العائلة .

بينما يحمل خبر ولادة الفتاة مرارة الهزيمة لوالديها، فهي الأنثى الضعيفة التي ينطبق عليها المثل القائل " هم البنات للممات " إنها الجناح الرقيق الذي يحتاج دوماً إلى العناية والرعاية، والإحاطة، خاصة وأنها تمثّل شرف الأسرة وصونها هو صون لعرض أهلها و يستمر هذا الحرص عليها لحين انتقالها إلى منزل زوجها الذي يتسلم راية العناية و الحراسة لحين الوفاة .

هذا ما كان عليه الحال قديماً، وما بقي عليه تقريباً اليوم، فإن البهجة نفسها ما زال يحسّها الأهل حين ولادة الفتى، والانكسار نفسه حين ولادة الفتاة، رغم كل التطور الذي طرأ على الحياة بكل مناحيها، ورغم كل الألوان الإيجابية القوية التي أضافتها الأنثى إلى صورتها التقليدية . إلا أنها بقيت محاصرة بالثوب الأبيض الذي تبقى عارية من وجهة نظر المجتمع إن لم ترتده، حتى لو تمكنت بعقلها و جهدها و طموحها من حيازة العديد من الأثواب الأخرى الأجدى نفعاً كثوب الطبيبة الأبيض أيضاً، أو ثوب المحامية، أو المعلمة أو المهندسة، أو الفنانة و غيرها .

و لهذا فإن أول ما تبحث عنه العيون في وجه الأنثى الوليدة، وهي بعد لحمة حمراء تختلج بين أيديهم، هو مكامن الجمال التي ستشفع لها وتمنحها إجازة عبور إلى ضفة الزواج و تيسّر لها أمر إيجاد عريس ما، وهذا هو الأمر الهام .. و المهم .. و الأهم .. و الذي بحصوله تكون قد حققت حلم البداية و النهاية الذي مهما سعت الفتاة بعقلها وعلمها للفكاك منه، إلا أن حياتها تبقى ناقصة، وكل منجزاتها عقيمة إن لم تتوجها بالطرحة البيضاء فهي قد ولدت لتكون عروساً، و هذا النذر سيظل يلزمها بالوفاء به حتى و لو اضطرها الأمر ــ إن لم تصادف نصفها الذي تحلم به و تتمنى أن تشاركه حياتها بكل دموعها و ابتساماتها ــ إلى الارتباط بأي كان لتنهي مأساة الانتظار، و توقف هذا السيل الجارف من الدعوات لها بالستر، وهذا الكم من الغمز واللمز حيناً، والشماتة والشفقة الماكرة حيناً آخر، وأيضاً تلك العبارات الجارحة الصريحة الموجهة لها من الأهل الذين لا يملون إلقاء اللوم المرّ والتعنيف الأمرّ عليها متهمين إياها بالتقصير في سعيها لاصطياد نصيبها ولائمينها على رفضها هذا الشخص أو ذاك ممن سبق و أن تقدم لخطبتها، و رفضتهم رغم، نيلها رضا الأهل، فمن هي حتى ترفض و تحتكم إلى رأيها و تقرر بشأن حياتها ؟ و منذ متى كانت هي أعلم منهم بشأن اختيار من يشاركها حياتها هي ؟؟

و مثلما هي حال الفتاة الشرقية، كذلك هو حال الفتى الشرقي الذي يولد عريساً، و يراد منه أن يكون قوي البنية سواء استطاع أم لم يستطع، لأن الحياة كفاح و عليه أن يكون صلباً قادراً على مواجهة صعابها . و مع التقدم الذي أصاب المجتمع و المكانة التي حظي بها العلم، أصبح يطلب إلى الشاب أن يرفد هذه القوة بالعلم و المال .

و يبقى الفتى تحت أنظار أهله، تلاحقه عيونهم وعيون الأقارب و المقربين كيفما اتجه لتتلقف من محيّاه ملامح الرجولة التي يصبح بها قادراً على الارتباط، ليبدأ بعدها بتقبّل الدعوات له بالزواج . لكنه يمهل مدة أطول من الفتاة لأن عليه أن يكون قادراً على إعالة أسرة أولاً، ولأن مدة صلاحيته صحياً تمنحه فسحة من التأجيل و المماطلة عكس الفتاة التي تنتهي مدة صلاحيتها باقترابها من سن الأربعين ...

تلك هي الرحى التي يدور فيها كل من الشاب والفتاة حتى يتم ارتباطهما، فتوضع حينها نقطة على السطر و تنتهي قصة الزواج لتبدأ بعدها قصة جديدة من بطولتهما أيضاً هي قصة الإنجاب .
و من جديد تنهال عليهما الدعوات الحاثّة لهما على الإنجاب مثل : " متى سنفرح لكما بعريس ؟؟ ألم يحن وقت الإنجاب بعد ؟؟ ماذا تنتظران ؟؟ الله يطعمكم عريس " .......

كان هذان العريسان نصفين كل واحد بمفرده فلم يتقبلهما المجتمع إلا مجتمعين . وعندما ارتبطا زاد المجتمع من جرعات الحث لهما على الإنجاب، لأن هذين النصفين توحدا فأصبحا واحداً ناقصاً من جديد، ولابد لهما من ثالث هو الابن ( العريس مستقبلاً ) و الابنة ( العروس مستقبلاً ) لأن هذا الثالث و إخوته سيقفلون الدائرة، و يكملون الحياة التي غالباً ما نحياها بقليل من الإرادة و كثير من الانسياق.

لوحة العرس التقليدي في حلب

إن ما يجمع كل عريس بعروسه هو عرس يمنح لقاءهما شرعية دينية، واجتماعية، ويحقق شرط العلنية، كما يتيح الفرصة أمام أقارب و أهل الطرفين للتعارف .

وهذا الاختيار وما يتبعه من خطوات تراتبية كانت تحكم تصرفات أهل العريس والعروس حتى يصل الجميع إلى مرحلة الزفاف، هو واحد في جوهره و خطوطه العامة الكبرى، في سائر بلاد الشام لكن يبقى الاختلاف واقعاً في بعض التفاصيل التي تعود إلى درجة الثقافة و الطبقة الاجتماعية و الصبغة الريفية أو المدينية، والانتماء الديني .

العرس الحلبي لدى المسلمين

وكانت تبدأ حين يبلغ الفتى مبلغ الرجال ويرى أبوه ضرورة تزويجه, فتبدأ أمّه ومن يقربه من النسوة بالخطبة له, ويبحثن في بيوت البلدة عن البنات وربما استغرقن في ذلك أشهراً بل سنة أو سنتين. وكثيراً ما كان يتم الاستعانة بالخاطبة, لأن النساء قديماً كن محجبات لا يظهرن إلا على كل محرم من أقاربهن. حتى إذا اتفق رأيهن على بنت لحسنها وأصلها وأدبها, تقدم أقرب رجل إلى الزوج ومعه وجهاء أهل بيته وخطبوها من أقرب رجل إليها وعيّنوا معه المهر الذي قد يكون ألف ليرة ذهبية. وهذا عند المفرطين بالغنى والثروة, وأما المهر عند غيرهم فلا حدّ لأقله وقد يحدث أن تصر أسرة الشاب على تحديد مبلغ المهر فيسوق والد الفتاة الأمثلة القريبة عن أتراب الفتاة وشقيقاتها. ويتساءل عما إذا كان أهل الشاب يطلبون منه القيام بتجهيز البنت أو إن ذلك يقع على عاتقهم, ثم يشرع بإجراء عملية حسابية بسيطة ومبالغ فيها, فيحتدم النقاش ويتدخل الوسطاء فإن نجحوا في التوصل إلى حل يرضى الطرفين قرأوا الفاتحة وإلا صرف النظر عن الموضوع.

وعادة تأخذ العروس المهر وقد تضيف إليه قدره لتجهز بذلك كلّه نفسها فتشتري به حلياً وفراشاً وأواني صينية وغيرها, ويحُمل ذلك جميعه إلى بيت العريس. هذا إذا كانت العروس غنيّة, أما إذا كانت متوسطة الحال فتضيف إلى المهر قدر نصفه أو ثلثه أو ربعه على حساب سعة حالها والفقيرة لا تضيف إليه شيئاً على الإطلاق. وبعد أن تتم الخطبة, يجتمع نفر من ذوي العروسين ويأخذون العهد على وليها بالموافقة, ويقرؤون على ذلك الفاتحة, وهذا الاجتماع يسمونه الفاتحة أو (الملاك), وقلّ من يجريه, وفيه يرسل الخطيب إلى خطيبته هدية من الحلي كالخاتم والأقراط وغيرها.

وكان للخطبة تقاليدها وأوصولها الخاصة, فمثلاً تدعو أم العريس الخطيبة لزيارتهم والمبيت عندهم لكي تنام معها في نفس الفراش وتستكشف رائحة فمها أو رائحة قدميها, ثم يذهب الجميع إلى حمام السوق سوية حيث تفحص أم العريس جسمها حتى لا يكون فيه عيب مستور, وتشدّ أخته شعرها للتأكد من أن شعرها طبيعي. كما يكثر الترداد لدار أهل الفتاة لرؤية الفتاة في جميع أحوالها: في وقت زينتها, وفي وقت الغسيل والطبخ والتعزيل, كما كنّا يتفحصن نظافة باب الدار الخارجية, وقد يرفعن طرف السجادة خلسة ليتأكدن من نظافة ما تحتها من الغبار ويلحظن نظافة الشبابيك ومدى العناية بنبات الزينة إلخ...

وخلال هذه المدة يكون أهل الفتاة قد قاموا بالتقصي والاستعلام الكافي والوافي عن أخلاق الخاطب وأصله وثروته وتجارته, وعمله ومركز أسرته الاجتماعي في الحي فإن وافقوا تم النصيب وإلا تذرّعن بالمعاذير, كأن تدّعي أم الفتاة بأنها تريد أن تبييت استخارة, أو أن تحتج بأن برج ابنتها لا ينطبق على برج الشاب, أو أن عمره غير مناسب, أو أن والدها قد قرأ فاتحتها ولم يخبرنا في حينه وينقطع حبل الود.

وبعد دفع المهر المشروط تعجيله يباشرنا عقد النكاح, فتهيئ العروس داراً فسيحة جميلة وتُرسل بطاقات الدعوة من قبل ولي العروسين ويدعو كلٌ منهما من أراد من معارفه وأصحابه إلى الدار المذكورة وفي وقت معين, والأكثر أن يكون صباحاً. فيجتمعون في تلك الدار وقد سبقهم المغنون والمطربون, فيستمعون إلى الألحان والأغاني ويطعمون شيئاً من الحلوى كالراحة ومربى الكباد, ويتبعون ذلك بقهوة البن والدخان. ويكون الشيخ قد كتب اسم الزوجين ووكيلهما وشهودهما وجملة المهر معجلاً ومؤجلاً.

وعند الانتهاء يسكت المغنون والحاضرون ويتلو الشيخ خطبةً يذكر فيها فضل الزواج ويدعو الزوجين إليه, ثم يجلس أمامه وكيلاهما فيلقنهما الإيجاب والقبول, وإذا ما انتهى من عمله قام أحد الحفظة بتلاوة شيء من القرآن الكريم, وأعقبه أحد من حضر من الشيوخ بالدعاء للزوجين بالرفاه والبنين. ومتى أتمّ الدعاء ابتدر جماعة المطربين ينقرون الدفوف من إنشاد بعض المدائح النبوية ثم ينتقلون منها إلى الأغاني الطربية, وتدور في تلك الأثناء كؤوس الشراب (الطّهور) على الحاضرين, وبعدها القهوة, فيشربون ثم ينصرفون بعد أن يقدموا التهاني للعروسين لأقرب من يكون بجوارهم من أهل العريس قائلين "جعله الله مباركاً".

هذا ما يكون عند الرجال, أما عند النساء, فإنهن بعد ذهاب الرجال يجتمعن في الدار المذكورة ويُجلسن العروس بحليها وحللها على كرسي خاص, وتبتدر الفتيات بالغناء والعزف, ويطعم الجميع الحلوى وتدار عليهن كؤوس المرطبات, وتجمع النقوط للقينات فقط, إن سمح رب الدعوة بذلك, وإن كان قد اشترط عليهن أن يكتفين بأجرهن, فلا يجمعن شيئاً, وإن حصل وجمعن فيكون المبلغ لصاحب الدعوة إذا كان رقيق الحال.

وبعد مضي مدة من الزمن يكون أهل العروس قد جهّزوا العروس بكل ما يلزمها من الملبس والفرش والأواني, فيتم الاتفاق على يوم معين لتقل الجهاز إلى دار العريس. وكان النقل يتم على ظهور الدواب التي تجمّل سروجها بالخرز والودع, وتعصب رؤوسها بالمناديل الملوّنة, وإما على ظهور الحمّالين, وهذا أكثر عند الأكابر. وقد اعتاد سكان الأطراف غالباً أن يقدموا أمام الدواب جماعة يلعب بعض أفرادها بالسيوف والترس والعصيّ. ويضرب بعضهم الآخر على الطبول ويزمرون ويسير أمامهم مغنٍ ينشد أدوار الزجل وهم يصفقون ويضجون ويطولون وبقصرون حتى يصلوا إلى بيت العريس فيوضع فيه الجهاز.

وكان البغل الأول يحمل على ظهره خزانة الملابس بمراياها المتعددة, ثم يلي ذلك البغال التي تحمل الدواوين المفضضة, وبعدها البغال المحملة بالفراش ذات الوجوه الحريرية, ثم الصواني النحاسية, ثم يأتي دور البغل المحمل بالقبقاب العالي المصدف وهكذا. وفي اليوم الثاني أو الثالث يأتي أهل العروس ويفرشون في البيت المعد له ويصنع لهم أهل الزوج في ذلك اليوم الغداء الذي يشترط أن يكون مجدرة بالرز وليس بالبرغل.

ومن جملة العادات المستعملة أيضاً أن يجمع هؤلاء قبل ليلة القران عدة ليال في دار فسيحة ويفتحون باب الدار لكل وارد, فيجمعون فيها جمّعاً غفيراً من أخلاط الناس ويُضرب الطبل وينعر الزمر ويقوم اثنان ويتلاعبان بالسيوف كالمتنازلين في الحرب إلى أن يغلب أحدهما الآخر وهكذا إلى آخر الليل. وقد يتلاعب اثنان آخران بالعصى على نسق المتلاعبين بالسيوف. وهذه الليالي تسمى "بالتعاليل".

وفي كل يوم منها يقوم واحد من قبل صاحب الحفل ويقف أمام كل رجل ويتملقه ويمدح أهل بيته وحلّته فيعطيه شيئاً من الدراهم حتى يستوعب جميع الحاضرين. وهذا العمل يقال له "الجبوة" ثم إن هذه التعاليل قد تكون عند جماعة الأكابر على صفة جميلة بأن يحضروا جماعة الموسيقين والمغنين والمطربين ويطلقون فيها الألعاب النارية دون عمل الجبوة. وبعد هذه التعاليل يباشرون حفلة ليلة القران, وتكون العروس قد أخذت إلى الحمام عدة مرات وفي كل مرة منها تغسل عند خروجها منه بماء الورد.

وقبل ليلة أو ليلتين يدعو أهل الزوجة إليهم أقاربهم وأحبابهم من النسوة وبفرقون عليهم نقش الحنّاء وتسمى تلك الليلة "بليلة النقش" ويكون المدعون قد أرسلوا هداياهم على حسب أقدارهم: إما أرزاً أو سكراً أو شاةً أو ثوياً هندياً أو غير ذلك. ثم في صباح اليوم الذي في مسائه يكون القران, يحضر المدعون إلى بيت الزوج للفطور على السماط, وقد سبقهم المطربون فيأكلون ويطربون وينصرفون. واعتاد بعض الأكابر أن يجعل هذه الوليمة عامة, فلا يدعو إليها أحد بل يحضر إليها أحباب هذا البيت وأصحابه دون دعوة ولا تقدمة من الهدايا المتقدم ذكرها, ويكون وقتها غالباً بعد العصر. أما النساء في هذا اليوم فإنهن يأتين في الظهيرة إلى منزل الزوج ثم يتوجه من أقاربه عدة نسوة إلى منزل العروس فتلبس ثيابها ويأتين بها إلى منزل زوجها وسط الزغاريد, وراكبات معها في عجلات مجمّلة.

أما عند سكان الأطراف, فكان يتم إتيان النساء بالعروس إلى بيت العروس ماشيات وهن يزغردن وينشدن التهاني ولا يجتزن بها من أمام حمام زعماً بأن جنّ الحمام سيخطفها. فإن وصلن بها إلى منزل زوجها استقبلتها الفتيات بالدفوف والأغاني التي تناسب مقامها, ثم أجلست على كرسي معدّ لها واشتغلت القينات بالغناء والعزف إلى المساء وفيه يبسط الموائد وتنعش النسوة ثم يرجعن إلى ما كنّ عليه من السماع والطرب.

وفي ليلة التلبيسة يؤخذ العريس إلى بيت أحد الأصدقاء بعد مضي بضع من الليل وقد اجتمع فيه الناس والمغنون والمطربون فيحلق ويستحم ويلبس ثبابه ثم يخرج إلى الطواف في الشوارع وهو ومن معه من الجموع, ويقف إلى جانبه من يشبهه ويسمى "سخدوجاً ويقف إلى جانبه صفان متقابلان من يد كل واحد من أفراد الصفين شمعة موقدة أو فانوس مُسرج وعلى كل واحد منهم أن يغني موالاً, وبعدها ينضمون على بعضهم مثنى وثلاث ورباع ويقولون بصوت عال:"الله يساور جوز جوز وجيز. وبعدها تعلو أصوات الطبل والكمنجا والمزمار. وتطلق صيحات الفرح والأزجال وتوقد المشاعل وترمى الشهب النارية إن وجدت. ويسيرون حتى باب منزل العريس حيث يودع العريس بموال لا يقال إلا في هذا الموقف ومن أبياته:

قمر يلاقي قمر وأي قمر أحسن وحسن يلاقي الحسن وأي حسن أحسن
ضربت تخت رملي ما شفت أحسن إلا الصلاة والسلام على النبي والفاتحة أحسن
وبعد قراءة الفاتحة والدعاء لهما البركة يدخل العريس إلى الدار بينما يحدد واحد من القوم الحمام الذي ينزله العريس من غده.
وبعدها تخرج القينات لاستقبال العريس بالأغاني والزغاريد المناسبة ويمشين أمامه إلى قرب المكان الذي توجد فيه العروس, وتكون هي قد نهضت لاستقباله ومعها أقرب من يكون إليها من النسوة وحينما يلتقيان يتقدم أقرب رجل إلى زوجها فيأخذ منه يداً ومنها أخرى ويضعهما فوق بعضهما فيتصافحان ويدخلان إلى البيت المعدّ لهما ويوضع فوقها غطاء وردي اللون وتأتي القينات فيغنبن أمامهما والشموع موقدة بأيديهما, ثم ينصرف الجمع تاركين العروسين. وتستمر القينات والنسوة على ما هنّ عليه من السلو والطرب.
ويوضع لهن مائدة تشتمل كل أنواع الحلوى فيأكلن ويطعمن منها من شئن وثم يرجعن إلى التغني والطرب والرقص إلى الصباح فينصرف الكل إلى بيوتهن. وأسمى تعبير عن الفرح لدى أهل حلب أغنية (الله يساوي) فإن أفراحهم لا تتم إلا بها وهي تعود إلى أصل سرياني مثل العديد من الألفاظ الحلبية الدارجة وهي: الله يساوي دوص ودوص صلو على محمد الزين مكحول العين والعادية الله عليه. ثم تزغرد النساء بعدها لي لي لي ليش.
وفي صباح هذه الليلة يحضر المعارف والأصدقاء ويفطرون مامونية وشعبيات على نغمة المزيكة. ويقدم الزوج إلى زوجته هدية تسمى بالصبحية وهي تقابله بمثلها, ثم يتوجه إلى الحمام المعين فيدخله مع طائفة من أصحابه فيمرحون فيه ويختضبون بالحناء ثم يغتسلون ويخرجون. وفي هذا اليوم يصنع أحد أصحاب العريس وليمة على شرفه يقال لها الصبحية, وتكون في الغالب مشتملة على جماعة المطربين والمغنيين ويعود إلى بيته بعد العشاء في الموكب الذي عمل له في ليلة القران. وهذه الصبحية قد تكرر عدة مرات ثم بعد مضي 15 يوماً من ليلة القران يولم العريس وليمة حافلة يدعو إليها أهل زوجته ويقال لها "عزيمة الخامس عشر" .
العرس الحلبي لدى المسيحيين
إن الشاب متى أراد الزواج, أخذ يتصفح وجوه البنات عند خروجهن من الكنيسة, وإذا أعجبته فتاة ما لحسنها أو مالها أو كفاءتها له, راح يتحيّن الفرص المواتية للتحدث إليها واستمالتها نحوه, فإذا تم ذلك عرّفها تصريحاً أو تلميحاً بأنه يريدها زوجة له, فإذا رضيت جاء دور الخطبة, فيرسل من قبله إلى ولي العروس كاهناً ومعه وليه وبعض أقاربه فيتلقاهم ولي العروس بالترحاب ويقدم لهم الحلوى والقهوة, ثم يتقدم الكاهن من ولي العروس ويسأله: هل تخطب كريمتك أو قريبتك فلانة إلى فلان؟ فإن ردّ بالإيجاب وجّه السؤال نفسه لولي العريس الذي يرد بالموافقة أيضاً, وعندما يضع أيديهما في بعضهما علامة على الرضا المتبادل ويشهد عليهما هو ومن معه.
وفي بعض الحالات يوجه الكاهن السؤال مباشرة إلى العروس بحضور والدتها فتطأطئ رأسها بالإيجاب فيعطيها الحلي الذي يكون عريسا قد أرسله لها مع الكاهن. وبعد هذا العمل يتوجه الجميع إلى دار العريس ليباركوا له ويدعوا له باليمن فيشكرهم ويقبل يد أبيه وأمه ويد الكاهن أيضاً.
وبعد مضي نحو أسبوع من الزمن, يشرع الخطيب بزيارة الخطيبة مرّة في اليوم أو في الأسبوع أو حتى في الشهر وكثيراً ما كان ينهى الكهنة عن الإكثار من الزيارات, لكن نهيهم كان يذهب سدى. وبعد أن يبلو الخطيب أخلاق العروس وتكتمل له أسباب الزواج يتلمس من الكاهن الذهاب إلى أهل العروس لتحديد موعد الزفاف. وهذا العمل يقال له "المشورة" ويكون العريس قد حملّه بعض الحلي والحلل, فيتوجه بها إلى بيت العروس ويعين مع أهلها يوم الزفاف.
وقد يحدث أن ينكث أهل العروس ويتم فسخ الخطبة, فيرجع الكاهن ومعه الحلي والحلل إلى بيت العريس, ويبين لهم سبب إبطال, فإن رضي الزوج بهذا السبب كان بها وإلا أقام الحجة على أهل العروس عند الرئيس الروحي الذي يتبع له أهل العروس للبت في الأمر.
وقبل موعد الفرح بأيام توزع بطاقات الدعوة إلى حفلة العرس على الأقارب والخلان من قبل وليي العروسين, ثم في الموعد المحدد, يذهب المدعون إلى دار العريس بلباسهم الرسمي فيستقبلون بالترحاب وتدور عليهم كؤوس المرطبات وقهوة البن, ثم يتوجهون مع ولي الزوج إلى بيت العروس فيُستقبلون بالترحاب ويسقون القهوة ويستريحون قليلاً ثم يطلبون إزار العروس وخمارها فيضعونهما عليها ويسيرون بها إلى بيت العريس, ومعهم جميع المدعين من قبل أهلها ويمشون بها في الطريق مشي الهوينى ويسيرونها بين امرأتين, وإذا كان ذلك مساء حُملت أمامها الفوانيس, ولدى اقترابها من منزل العريس يخرج هو لاستقبالها برفقة المطربين.
وعندما ينتظم شمل المدعوين ويرسل الزوج شخصاً كبيراً ويدعو ولي زوجته, فمتى حضر يبتدر المطران مع جمهور الكهنة وهم باللباس الكنسي يتلاوة آيات الإنجيل, ويستغرق الإكليل نحو ساعة من الزمن. وفي ختامها يدعو المطران لهما بالرفاه والبنين ويحذو حذوه الحاضرون. وقد يتم الزفاف بالكنيسة, وعندما يكون المسير بالعروس من منزلها إلى الكنيسة حيث يكون العريس وأهله وبعض المدعوين في انتظارهما ليعقد لهما, وبعد الانتهاء يصار إلى تهنئتهما في ساحة الكنيسة.
وبهذا تعقد حفلة الفرح ويستمر الرقص والغناء والمرح حتى ساعات متأخرة من الليل, ويقدم خلالها العشاء للجميع ويسمونه "سفرة الدخلة" ويكون مؤلفا من قطع لحم الدجاج الهندي والقديد والمخلل والخبز السميد وغير ذلك. وبعد الانتهاء من تناول الطعام يعودون إلى سماع الطرب ويتخلل السهرة تقديم الأشربة والحلوى. وربما قام أحد الشعراء المدعوين بإنشاد قصيدة تهنئة للعروسين.
وفي حال استمرت الحفلة حتى الصباح, يقدم للمدعوين الفطور الذي هو عبارة عن "الجيكولاتا" وبعض الحلوى اللطيفة مع الخبز السميد والقديد.
وفي صبيحة هذا اليوم يهدى إلى العروس أحد أبوي العروس هدية من الحلي يسمونها"الصبحية". وفي اليوم الثامن يزور العروسان أصحابهما فيحتفلون بهما بإحياء ليلة طرب ورقص. وفي اليوم الثاني عشر أو قبله يولم الزوج إلى المطران ولفيف الكهنة فيأكلون وينصرفون داعيين لهما باليمن والإقبال. وبعد مضي 30 يوماً على ليلة الزفاف يشرع العروسان برد الزيارة لمن كان مدعواً لزفافهما فيقابلان بالإكرام وتولم لهما الولائم.
الزغرودة: تعريفها, أهميتها, ودراستها من حيث الشكل والمضمون
إن الأغاني التي ترافق الفرح عديدة ومتنوعة, وما يهمنا منها هو النوع الأكثر فرحاً وشهرة, إنه الزغرودة التي رافقت أفراحنا منذ قرون, وتوجت مراحلها كلها.ومنها ما هو موجه للعريس وفيها مدح لصفاته ولأخلاقه وأصالة نسبه, ومنها ما هو موجه للعروس وفيها مدح لصفاتها الجمالية وأصالة نسبها,ومنها ما هو موجه لأهل العروسين, وما هو أيضاً موجه للضيوف, وأخيراً ما هو موجه للأعداء غيابياً.
إن الزغرودة هي حالة فرح صافية ونوع خاص من الأغنية الشعبية التي تتصاعد من أعماق الناس, وتتناقلها الأفواه جيلاً بعد جيل بلهجات بسيطة تخترق الوجدان الجمعي دون أن تنسب إلى قائل معين أو زمن محدد. وهي تخضع دوماً من خلال التحولات الاجتماعية إلى تغير في مضامينها وألحانها وأشكالها.
وأما زمن الزغرودة فهو قديم ومجهول, وقد حملته إلينا الفرحة من عرس إلى عرس على متن ذواكر حافظة وألسن لافظة لسيدات كان أغلبهن فيما مضى أمياً. حتى وصل إلينا في قرننا الحادي والعشرين.
ولهذا فإن مخزوننا من الزغاريد يعتمد على الرواية الشفوية التي ورثها كل جيل إلى خلفه, فمن الجدة إلى الأم, ومنها إلى البنت... حتى وصل إلينا منهكاً في جزء منه, أو مبتوراً, أو غير مفهوم المفردات التي تحرفت بانتقالها من فم إلى آخر.
ويبقى أن ننوه بأن الزغرودة ليست حكراً على الأعراس, بل هي شريكة العديد من أحداث حياتنا كالانتصار في الحرب, والنجاح الدراسي, ومجيء مولود جديد. وقدوم غائب بعد طول فراق, وعقد صلح بين عائلتين أو قريتين بعد طول خصام... كما نسميها من أم الشهيد أو أي مفجوعة بموت أحد أبنائها في شرخ الشباب وغيرها...
أهمية الزغرودة:
إن كل من يقرأ الزغرودة أو يستمع إليها لا يمكن إلا أن يعود خطفاً لا يعرفه, ترسمه له الكلمات بمعانيها, وتهدهد له فيه أنغام بسيطة تعبق بالفرح والحركة. وإن كل زغرودة تحمل إلينا أقصوصة هي أمثولة, فيها نصائح هي خلاصة تجارب السلف الحياتية, وأعرافه وعاداته الاجتماعية, وما يجب علينا أن يكون عليه أو يتحلى به كل شاب وشابة إبان قرار الشروع ببناء حياة مشتركة صالحة.
كما أن الزغرودة تحوي حصاداً متنوعاً من تاريخ السلف وحياته الاجتماعية. والاقتصادية, والسياسية, وهي تنطلق عفواً بما قد تكون سكتتْ عنه المصادر المدونة. وإن دراستها دراسة تاريخية واجتماعية ولغوية قد تفيد كثيراً في تجلية صور السلف, وخاصة وأنها تتمتع بميزة تمنحها الكثير من الثراء والتفرد إذ ما قيست بالمأثورات الشعبية الأخرى, ذلك أنها صورة ناطقة بألفاظ السلف ولهجته المحكية كما أنها تحمل إلينا إيقاعه الحياتي.
وأخيراً, إن الزغرودة هي وثيقة حياة, وشعلة تنتقل من جيل إلى جيل, مكانها هو الفرح أنىّ وجد, وهي دائماً تتحرك, وتتحدث, وتغنى, وتعبر عن ذاتها بذاتها, ولا تحتاج إلى من ينصت إليها.
وقد حملت الزغرودة في رحلتها إلينا أسماء شتى من كل بلد تمر بهّ, أو منطقة تسكن فيها فهي مع بعض الخصوصية والتحفظ: الزغرودة, والزلغوطة, والمهاهات, والهنهونة, وتبقى الزغرودة هي سيدة الساحة دون منازع, فلا عرس دون عريس وعروس وزغرودة.
الزغرودة وأخواتها:
إن الزغرودة هي ابنة الذاكرة الشعبية في شقها الفرح, وهي تعود زمنياً إلى قرون سلفت, ومكانياً تنتمي إلى مساحة أكبر بكثير من مساحة بلاد الشام.
فهي منتشرة عند نساء الشرق الأدنى من مصر إلى استانبول وما بينهما, وفي شمال افريقية والعراق.
إذا حاولنا البحث في المعاجم عن أصل هذه المسميات التي أطلقت على الزغرودة في رحلتها في مكان وزمان منطقة بلاد الشام, ولنقف على أصولها اللغوية الفصيحة فإننا نجد ما يأتي:

الزغرودة: وأصل المادة (الزغد), وهي في أصل معناها العصر, وزغد البعير يزغد زغداً : هدر هدراً, وكأنه يعصره أو يقلعه.. ويقال زغد البعير وزغرد وزغدب بمعنى واحد, وهو الهدير يتقلّع من صدره أو حلقه. وكذلك فإن زغردة النساء هي أصوات تقعرها وتعصرها في حناجرها مضغوطة عليها, والظاهر أن العامة قالت في زغرد وزرغد ثم جعلت اللام مكان الرا والطاء مكان الدال.


الزلغوطة:هي اللهجة المحكية العامية من الكلمة الفصحى الزغرودة, محرفة عنها, وهي ترديد لأصوات الفرح في الحلق واللسان. ومن صورها المحلية الأخرى: ظلغط, وزغلط, وزغرت, وزغرط.

الهنهونة/الهلهولة: التي يرى صاحب معجم الألفاظ العامية أنها من فعل هنهن العامي وفصيحه هلهل. ونقول في دارجتنا: هلهل فلان فلاناً: لامه في عنف أو زجره في شدة. وهلهل ملابسه: قطعها في غير انتظام فجعل منظرها سخيفاً. والملابس المهلهلة: سخيفة النسيج. وهلهل الصوت: رجّعه.

والظاهر أن العامة قلبت اللام نونا فأصبحت هنهن بدل هلهل. ومنها اشتقت كلمة هنهونة التي جمعها هناهن. بينما يرى القس شلحت أن الهنهونة لفظة سريانية أصلها "هو نايا" ومعناها "تهنئة" وقد صغرت فأصبحت "هونايونا" أي " تهنئة صغيرة" ويقدم عليها لفظة "إيها" وهي اللفظة نفسها التي تستعمل في كل مناطق بلاد الشام بلهجات مختلفة, وهي أيضاً مشتقة من السريانية "أها" ومعناها "نعمَّ". ويرى أنه في لبنان يقولون "أيوها" وهي لفظة مركبة من لفظتين سريانيتين أولاها "أيو" ومعناها حبذا "وإها "ومعناها "نعمَّ".

المهاهات:

هي أغنية خفيفة شفاهية تقال في الفرح وغيره رباعية الأشطر, وتبدأ بالأويها وتنتهي بالزغرودة. ولم نوفق في العثور على أصل الكلمة وجذورها اللغوية.
وفي محاولتنا البحث عن معاني ما تبدأ به الزغرودة وما تنتهي به من مقاطع صوتية وجدنا ما يأتي:

الآويها: مقطع صوتي وردت بعدة أشكال لفظية وكتابية منها:"إيها, وأوها, آوها, أيه ويه, أي, وأويها, وغيرها كثير... ولعل هذا يرجع في بعضه إلى جهل تام بمصدر أو منبع هذه الكلمة معجمياً.

ويرى البعض أنها محرفة عن كلمة (هاهو) ويرجع في تحليلها أنها تعود إلى لقيا آدم عليه السلام بحواء, حيث بادرت عند رؤيتها له بقولها (هاهو) بينما يقول البعض الآخر أن أصلها (قوّوها) أي ارفعوا أصواتكم أكثر.


وأما في لسان العرب, فيشرح ابن منظور أن (أوَّه, وآّه,وأوْه) كلمة معناها الحزن لفقد الشيء. وأنّ (إيّه): تعني صوّت وأيها بمعنى هيهات, وأنك إذا أردت إغراءه قلت (وَيْها).

ويرى القس شلحت كما بيّنا سابقاً أن لفظة "إيها", وهي مشتقة من السريانية "أها" ومعناها "نعمَّ". ويرى أن في لبنان يقولون "أيواها" وهي لفظة مركبة من لفظتين سريانيتين أولها "أيو" ومعناها "حبذا" و" أها" ومعناها" نعمَّ".


ولعل لفظة (أويها) دمج لكلمتين ومعنيين, يراد بالأول: الحزن لمغادرة العروس منزل أهلها وما سيخلّفه هذا من فقد واشتياق له. ويراد بالثاني: إسكات لهذا الحزن, ودعوة إلى الإغراء بالفرج, وهكذا تكون هذه الكلمة مزيجاً من (أوّه) و(ايّه) معاً.
وأما خاتمة الزغرودة (لي لي لي ليش), فقد وجدت في موسوعة حلب المقارنة شرحاً طريفاً أورده العلامة الأسدي يقول فيه:"سئلنا لم كان صوت الزلاغيط في حلب لي لي ليش؟ أجبت: عندما يدخل العريس ليلة عرسه على دار العرس يزغرد النساء وكأنهن يقلن هذا العريس الحلو لي لي أن وحدي. ثم لما كان هذا المطلب غير محقق يختمن اللالات بتصويت "ليش" أي إن لم يكن لي كل العمر فليكن لي شيء ولو يسير منه".

وأرى أن هذا الشرح منحاز إلى فريق الرجال بقوة, بينما أن المقصود بها:(وليش لأ؟). ولم يكون كذلك؟ وأنا أعادله إن أكن متفوقة عليه.

معنى الزغرودة اصطلاحا

هي ترديد جماعي بأصوات نسائية مسبوقة بعبارة (آويها) وملحوقة بعبارة (لي لي لي لي ليش), بأصوات عالية ونغمة واحدة. وليس إطلاق الزغاريد حكراً على امرأة بعينها, بل إن إسهام النساء في إلقاء الزغاريد كان يتوقف على حفظ امرأة لها ورغبتها في إلقائها.

هي لون يغنّي في كل أوقات الفرح, وهو يرافقه في الخطوبة والزفاف, وتدور الزغاريد عادة حول العريس والعروس وعائلتيهما. وهي تكاد تكون موحّدة اللحن حتى لا يفرق بينهما أي إنسان, والفارق هو المعنى, وتؤديها النساء لما فيها من تذوق وإحساس بالفرح ولا سيما القريبات من العريس والعروس كالأم, والأخت, والخالة, والعمة...

إنها لون غنائي شعبي خفيف يحفظ عن طريق المشافهة, وذلك من امرأة لامرأة. وتقوم هذه المرأة المغنية بالتلميح والتصريح في زغاريدها بما تنطوي عليه نفوس الأسرة والعائلة أو العشيرة.
وتكون بعض هذه الأقوال محفوظة في الذاكرة, وبعضها الآخرة يخرج على السجية من المؤدية, وهي جميعاً تدور حول معاني الفرح والفخر والمديح.
وتبقى معاني الزغاريد تقليدية تتضمن حشواً من العادات والأفكار العربية القديمة, فالبنت لها أوصاف معينة حتى تكون صالحة للزواج كالطول, والجمال والتهذيب, والسعة الحسنة. كما أن للشاب العريس صفات لا بد أن تتوفر في كالشجاعة والكريم والأصالة إضافة إلى بعض الدعوات لهما بالخير والبركة والسعادة والإنجاب.

ومهما تبدلت الكلمات التي تعبر فيها هذه المنطقة أو تلك إلا أن المعاني والروح التي وراءها تبقى واحدة, فهي صدى قادم من حياة أجدادنا إلينا على متن مركبة من الصدق والعفوية.

البنية الفنية للزغرودة

إن الزغرودة هي جزء منفرد وأنموذج خاص من الأغنية الشعبية. "وهي كناية عن بيتين من الشعر الشعبي في كل بيت صدر وعجز. ويبدأ فيها كل صدر وعجز بلفظة "آويها". ولهذه الكلمة وظيفة أساسية في وقع الزلغوطة الموسيقي, فهي إضافة إلى ما تشيعه من إيقاع نغمي جميل, تخلص ما يليها من الابتداء بالحرف الساكن, حيث تنضم الـ (ها) فيها إلى الحرف الساكن الذي يليها مباشرة, فتكون معه سببا خفيفا".

وهي لا تنشد على بحر معين, (وإن كان لبحري الرجز والبسيط حضورهما المميز في موسيقاها) فقد يتألف البيت فيها من ستة عشر مقطعاً, أو من ثمانية عشر مقطعاً... الخ. دون توافق في عدد المقاطع الصوتية بين الصدر والعجز.

وأما القافية, فقد تتكرر في صدري الزلغوطة وعجزها, وقد تأتي نادراً متحدة في العجزين فقط. وأحياناً لا يلائم مؤلف الزلغوطة بين حروف القافية, وهذه من عيوبها فلا تأتي متحدة, بل متلائمة في المخرج الصوتي, فتكون من مخرج صوتي واحد, كملاءمة اللام والراء, واللام والنون, والنون والميم..... فيكون الرسم البياني لأنواع قوافي الزلاغيط متدرجة من الأكثر إلى الأقل شيوعاً: وتنتهي الزغرودة بأصوات: لي لي لي ليش.. الناتجة عن ضرب اللسان بالحلق بفعل الهواء القوي الخارج من الرئتين والصادر من قبل عدة نساء إضافة إلى المنشد. ومنشدة هذه الزغاريد تكون غالباً المرأة المتزوجة, فالرجل لا يزغرد, وإنما ينحاز عنها إلى العتابا, والميجانا والقرادي, والمعنّى, وغيرها من الفنون الشعرية الشعبية. وكذلك تتحاشى الزغرودة من لم تتزوج بعد, وذلك من باب والخفر والحرج.

مضمون الزغرودة

لكل عروس قصة, قد تتشابه وقد تختلف, لكن تبقى فيها جميعاً حواء العروس وآدم العريس, ومهما كانت صفات العروس الحقيقية سواء الخلقية أو الخلقية, ومهما كان منبتها متواضعاً وحظها من الجمال ضئيلاً, فإن الزغاريد التي سترشق بها في مراحل زفافها ستجعل منها ملكة ترفل حقيقة أو تزلفاً بكل ما يمكن لأي أنثى أن تحلم وتتمنى أن تكون عليه من جمال وكمال وحسب..
والأمر نفسه ينطبق على آدم ستصوره الزغاريد فهذه المناسبة الأقوى ساعداً, والكرم منبتاً, والأجواء عطاءً, فضلاً عن بهاء طلعته وحسن أخلاقه, وحكمته, وحسن اختياره لعروسه....

وإن أغلب الزغاريد التي تنشد في حفلات الزفاف تكون موجهة إلى العروس بهدف وصفها من الناحيتين: المادية والمعنوية. فمن الوصف المادي تصف الزغرودة العروس عضواً فعضوا: (قامتها, خصرها, شعرها, عينيها, انفها, جيدها, صدرها, بشرتها) أما نفسها التي تستعمل في كل مناطق بلاد الشام بلهجات مختلفة, الناحية المعنوية فتصف الزغرودة نفسها التي تستعمل في كل مناطق بلاد الشام بلهجات مختلفة, أخلاق العروس المحمودة, وتربيتها السامية, ورفعة نفسها التي تستعمل في كل مناطق بلاد الشام بلهجات مختلفة. لكن الوصف في الزغاريد بسيطاً عفوياً مكرر المعاني, لا إبداع فيه, وكله حشد لأوصاف معروفة توافق المثال الأعلى للجمال, والعرائس فيها إناث يتشابهن في كل شيء ولا يختلفن إلا بالاسم فقط, تماماً كحبيبات شعراء العصر الجاهلي.

وكذلك تتجه الزغرودة إلى العريس لتصفه كالعروس بصفات المدح خلقاً وخُلقاً, فإذا هو وسيم, ساحر, شجاع, لبق, رشيق واثق من نفسه, كريم, رفيع الأصل,, كل ذلك مع عدم التفريق بين عرس اليوم وعرس الأمس والغد".

وهذه المضامين عامة إلى درجة تجعلها تليق بكل عروس وعريس بمجرد استبدال الأسماء, كما تجعلها تليق إلى حدّ بعيد بكل مراحل الزفة لأن الصفات المدحية هي الغالية دوماً.

ما يقال للعريس الحلبي

أيها عريسنا نحن اليوم زوارك
أيها افرشلنا بيتك واخليلنا دارك
أيها لاصير دالية واتعرش بحيطانك
واحمل عناقيد لولو كله كرمالك!
***
أيها عريسنا لا تندم على مالك
أيها بروح المال وست الحسن بتبقالك
أيها بطلب من رب السما يحبيبها لدارك
ومثل الغزالة تتنقل دوارك!
***
أيها من قال عن عريسنا ما هو اسمراني
أيها بعيون سود وخلقه الرحماني
بيوس الصليب وبكلله المطران!
***
أيها عريسنا يا ابيضاني
أيها يا شمس منورة في البستان
أيها ولم اللي خفنا عليك من الحساد
كسرنا قدامك جناق الصيني!
***
أيها يا عيسنا يا ابيضاني
أيها يا قضيب الخيزران
أيها بخاف عليك من النظر
وبخبيك بروس أكمامي!
***
أيها من قال عريسنا ما هو قمر
أيها مسك اللي عجنته فار واختمر
أيها قوموا اشهدوا له يا رفقاته
يمه دواية ولسانه قام (أو تمه خاتم)
***
أيها عريسنا يا قضيب المستكى
أيها عريسنا شلون ما مال الهوى انتكى
أيها عريسنا خفيف على ضهور الخيل
لكنه تقبل على رقاب العدى!
***
ما يقال للعروس الحلبية:
أيها بعرس عروسنا البلد سكر
أيها وصحن القيمق مرشوش عليه السكر
أيها اللي معه مال بياخذ متلك مو أكثر
واللي ما معو مال على حسنك بتحسر!
***
ايها أول عبورك يا عروسنا لدارنا
ايها فتح الورد واخضر ريحاننا
ايها يا مسك وقرنفل دالاتي
مزهر زمعرش على حيطاننا!
***
ايها لبستك اليوم ازداب
ايها ووقفتك على الباب
ايها عروسنا كويسه وصغيرة
وتسلملي ما بترد جواب!
***
ايها يا عروستنا فرحت لك عيوني
ايها وفرحت عصافير الزيتوني
ايها أهل سوريا وجبل لبنان
وكل من حضر معنا هوني!
***
ايها طبخت الرز بحليب
ايها وعبيته بكرشي
ايها عروستنا صغيرة وكويسه
وما شاء الله بلق لها كل شيء!
***
ايها يا عروستنا يا طفلة
ايها اجانا عرسك على غفلة
ايها ولا حنة تحنينا
ولا كردوش على غفلة
***
ايها الله معك الله معك
ايها وكل البكا ما بنفعك
ايها وإذا كان بسمار في بيت أبوكِ
اقلعيه وخديه معك!
***
ما يقال للعروسين معاً:
ايها عصفور علسجر وبلبل بترغًله
ايها اللي بياخد بنات الاصايل الله يّسر له
ايها لاروح لباش حلب وأقول له
كل نظرة من عريسنا وعروستنا بتسوى عسكرك كله!
***
ايها يا سلام عالشمس القمر بحاكيها
ايها يغمز العيون يتفهم معانيها
ايها ايدها بأيده وهو بحاميها
تعيشوا بالسعادة والهنا اللي فيها!
***
ايها اليوم في البلد الصوت دوى
ايها (فلان وفلانة) تكللوا سوى
ايها قلب الحابيب فيهن فرح
وقلب الأعادي من القهر انكوى!
***
ايها اجا المفلك وفتح الفال
ايها عروستنا كويسة وبنت حلال
ايها يا سعدها مع اللي أخدها
بدا تقضي حياتها بالعز والدلال!
***
ايها اجا المفلك وفتحلنا الفال
ايها عريسنا صغير ومزين بالكمال
ايها والله يطعمه على قد قلبه
عروس مكملة وست الجمال!
***
ايها يا أهل الجمع كلكن سوى
ايها قولوا بفرد صوت ( الله يساوي)
ايها اليوم تكلل (فلان وفلانة)
والكليل للحب أحسن دوا!
***
ايها عريسنا سبع وكل الخصايل حوى
ايها وعروستنا كويسه وبلبقلها الغوى
ايها وكل نظرة من عريسنا وعروستنا
صار للعليل أحسن دوا!
***
الموضوع الأصلي: زغاريد الأعراس | الكاتب: حلب الشهباء | المصدر: عشاق حلـب الأهلي

موقع نادي الاتحاد الرياضي الحلبي السوري

منتدى نادي الاتحاد الحلبي, منتدى عشاق حلب الاهلي, موقع نادي الاتحاد السوري, موقع حلب سبورت, موقع حلب الرياضي, المطبخ الحلبي, أكلات حلبية, المطبخ الشامي, المطبخ السوري, حلب, مدينة حلب, محافظة حلب, صور حلب, حلب الشهباء, شوارع حلب, حارات حلب, حلب القديمة, الاندية الحلبية, جماهير نادي الاتحاد الحلبي, اتحاد حلب, أهلي حلب, حلب الاهليForum Club Ittihad of Aleppo, Aleppo, Al-Ahli fans forum, the site of the Syrian Union Club, site of Aleppo Sport, the sports site Aleppo, Al Halabi Kitchen, Food Aleppo, kitchen Shami, Syrian cuisine, Aleppo, Aleppo, Aleppo, Aleppo Photos, Aleppo, streets Aleppo, Aleppo lanes, old Aleppo, Aleppo clubs, fans club Ittihad of Aleppo, Aleppo Union, native Aleppo, Aleppo, Al-Ahli



.yhvd] hgHuvhs

ياذاكر الاصحابِ كن متأدباً واعرف عظيم منازلَ الأصحابِ

رد مع اقتباس
رد

مواقع النشر

زغاريد الأعراس



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

حلب الأن 03:18